السودان على أعتاب مجاعة جديدة.. والطقس يزيد المخاوف
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
ريفيرا بلس
·7 دقائق read
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
يواجه المزارعون في أنحاء السودان، الذين يعانون الأمرّين بالفعل لحصاد محاصيلهم منذ اندلاع الحرب عام 2023، تحدياً جديداً ربما يدفع البلاد مجدداً نحو براثن المجاعة.. إنه الطقس.
فقد تسببت ظاهرة النينيو المناخية، التي تهدد مناطق من أفريقيا بالفيضانات، في ارتفاع درجات الحرارة والجفاف بالسودان، حيث ظهرت بالفعل جيوب من المجاعة خلال أكثر من 3 سنوات من الصراع، لا سيما في المناطق الخاضعة لحصار.
ووفقاً لمسؤولين في الأمم المتحدة وخبراء في مجال الإغاثة، إلى جانب أكثر من 20 مزارعاً التقت بهم وكالة رويترز، فإن ظروف الجفاف تلحق أضراراً بالغة بالمحاصيل والثروة الحيوانية في المناطق الجنوبية التي تعتمد فيها الزراعة على مياه الأمطار والتي توفر جزءاً كبيراً من الغذاء في السودان.
فيما يتوقع أحد كبار المزارعين ألا يتجاوز محصوله هذا العام ربع ما حصده في العام الماضي.
وفي تحذير صدر في 12 أكتوبر (تشرين الأول)، ذكرت "المبادرة العالمية للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" المدعومة من الأمم المتحدة أن "خطر المجاعة يتزايد في العديد من المناطق التي طالها الصراع في السودان، حيث يؤدي الجفاف الناجم عن ظاهرة النينيو إلى تدهور الظروف المتردية أصلاً".
كما تظهر بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أن معدلات هطول الأمطار في الفترة من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول)، التي تمثل ذروة موسم الأمطار، كانت الأدنى منذ أكثر من 3 عقود في جميع أنحاء البلاد. وفي ولاية شمال دارفور بالغرب، كانت معدلات الأمطار الأدنى منذ عام 1984، وهو العام نفسه الذي شهد مجاعة مدمرة في السودان وإثيوبيا. وفي ولاية شمال كردفان بالمنطقة الوسطى كانت المعدلات هي الأقل منذ 1990، بينما سجلت ولاية القضارف في الجنوب الشرقي أدنى المعدلات منذ عام 1991.
كذلك أفادت مبادرة التصنيف المرحلي للأمن الغذائي في يونيو (حزيران) بأن 5.1 مليون شخص في السودان يواجهون جوعاً حاداً. وتعمل المبادرة حاليا على تحديث هذه الأرقام. وكان من المفترض أن تنخفض الأعداد مع بدء موسم الحصاد في نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول)، مدعومة بهدوء نسبي في القتال في بعض المناطق. لكن من المتوقع الآن أن يؤدي الجفاف الناتج عن ظاهرة النينيو إلى ارتفاع هذه الأعداد.
من جهته، قال سامويل كليندون، مدير برنامج السودان في برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، لرويترز في أكتوبر، إن البرنامج يتوقع معاناة 350 ألف شخص آخرين من الجوع الشديد بحلول نهاية عام 2026، على أن يرتفع هذا العدد إلى 1.2 مليون شخص إضافي بحلول أغسطس (آب) 2027. واستند كليندون في ذلك إلى أرقام تمت مشاركتها مع الجهات المانحة، لكن لم يتم الإعلان عنها على نطاق واسع.
فيما كشف برنامج الأغذية العالمي أن أكثر المناطق المنكوبة هي دارفور وكردفان.
في ولاية شمال كردفان، تنزع مريم عمر الأعشاب الضارة التي تنمو بين المحاصيل التي كان ينبغي أن تكون على وشك الحصاد، غير أنها بدلاً من ذلك تبدو ذابلة وسط تربة رملية جافة. وتقول مريم، وهي تعمل في أرضها الصغيرة بالقرب من بلدة أم روابة: "هذا العام سيئ للغاية".
بدوره يذكر محمد عبد الرحمن، وهو مزارع يمتلك نحو 420 هكتاراً في منطقة أم روابة، أن الكثير من المزارعين الذين نزحوا بسبب الحرب بدأوا في العودة إلى أراض عصف بها الجفاف. كما يقدر عبد الرحمن، الذي يعمل أيضاً تاجراً للسمسم ويقدم تمويلاً لصغار المزارعين، أن نحو 40% من الأراضي في المنطقة لن تأتي بأي حصاد.
وفي سوق الماشية بمدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، تبرز أضلاع الأبقار من تحت جلودها المغطاة بالغبار.
في هذا السياق، يقول التاجر سراج الدين عبد اللطيف: "في مثل هذا الوقت من العام، تكون الماشية عادة سمينة ويجني الجميع أرباحاً. أما الآن، ومع شح الموارد في موسم الخريف هذا، صارت الماشية هزيلة". وكان يتحدث بينما يقوم بعدّ أوراق نقدية من الجنيه السوداني، الذي يشهد تراجعاً سريعاً في قيمته مما يؤجج معدلات التضخم ويفاقم معاناة السكان.
يركز برنامج الأغذية العالمي جهوده على إيصال الغذاء إلى 5 ملايين شخص هم الأكثر احتياجا، لكنه يشير إلى أنه لا يستطيع الوصول إليهم جميعاً. وحتى بالنسبة لأولئك الذين يتمكن من الوصول إليهم، فقد اضطر البرنامج إلى تقليص الحصص الغذائية لضمان الاستفادة القصوى من الموارد المحدودة.
وبحلول 17 أكتوبر، كان لدى برنامج الأغذية 276 مليون دولار لتمويل عملياته في السودان، وهو مبلغ يقل عن نصف ميزانية العام الماضي. ويؤكد البرنامج حاجته إلى 134 مليون دولار إضافية لمواجهة الجوع الناجم عن الجفاف.
وفي تصريح لرويترز في القاهرة، عقب زيارة إلى إقليم دارفور حيث اطلع بنفسه على آثار الجفاف، وصف كارل سكاو المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية تزامُن تراجع المساعدات مع انخفاض المحاصيل بأنه يعني "كارثة محققة".
حسب سكاو، تم خفض الحصص الغذائية إلى النصف في مخيم طويلة، وهو مخيم مترامي الأطراف في دارفور يضم نحو 700 ألف شخص نزحوا بسبب الحرب، وذلك في الوقت الذي أفاد فيه عمال الإغاثة بوصول 9 آلاف شخص إلى المخيم في الفترة ما بين بداية سبتمبر ومنتصف أكتوبر.
ولجأت سعاد أحمد، وهي معلمة نزحت عن ديارها عدة مرات خلال الحرب، إلى طويلة بحثاً عن طعام بعد أن غادرت قريتها الواقعة شرق مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور. كما تروي: "بينما كنت في طريقي إلى هنا، قال لي كثيرون: إذا وجدتِ طعاماً وشراباً هناك، أخبرينا، رجاء".
من جانبه، أوضح آدم رجال المتحدث باسم "المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في السودان"، وهي منظمة غير حكومية، أن الجوع وليس الحرب أصبح الآن الدافع الرئيسي الذي يجبر الناس على ترك منازلهم. كما أوضح أنه "لم يعد الأمر يقتصر على الرصاص".
شكلت ولاية القضارف ركيزة أساسية للإمدادات الغذائية في السودان خلال الحرب نظراً لأنها ظلت بمنأى عن القتال، لكنها لم تنج من الجفاف.
ويقول عماد الكبسور الذي يدير مزارع واسعة تمتد على مساحة 14700 هكتار: "حتى لو هطلت أمطار في الفترة المقبلة، فلن أحصل إلا على نحو 25% فقط من محصول العام الماضي"، مشيراً إلى أن درجات الحرارة المرتفعة للغاية تتسبب في احتراق المحاصيل في الحقول. كما يضيف: "لم نشهد موسماً كهذا من قبل".
ووفق بيانات "مرصد رويترز للمناخ"، فقد تراوحت درجات الحرارة في ولاية القضارف بين 7 و9 درجات مئوية فوق المعدل التاريخي المسجل للعشرين من أكتوبر.
إلا أن وزير الزراعة السوداني عصمت قرشي قال في مؤتمر صحافي عُقد بالخرطوم في الثامن من أكتوبر إن محصول هذا العام سيكون أقل لكنه "لن يقل بشكل كبير عن محصول العام الماضي".
في رده على سؤال حول الجفاف، قال عبد الرحمن إسماعيل المدير التنفيذي لوكالة الإغاثة والعمليات الإنسانية التابعة لقوات الدعم السريع لرويترز: "لقد بذلنا جهوداً للتنسيق والدعوة إلى استجابة مبكرة، ونعتقد أن بإمكاننا تقديم المزيد إذا توفرت الموارد والقدرات اللازمة".
وأعلنت مبادرة التصنيف المرحلي للأمن الغذائي رصد جيوب تعاني من مجاعة في السودان خلال عامي 2024 و2025، بما في ذلك في مدينة الفاشر التي فرضت قوات الدعم السريع حصاراً عليها استمر عاماً ونصف العام، قبل أن تسيطر على المدينة.
إلى ذلك يبدد الجفاف أي أمل في التقاط الأنفاس في بلد يعاني منذ فترات طويلة من أزمات إنسانية متلاحقة، بما في ذلك مجاعة عام 1984 التي أودت بحياة مئات الآلاف في المنطقة.
ويقول أليكس دي وال الخبير في شؤون المجاعات: "الوضع اليوم، من معظم النواحي، أسوأ بكثير جداً بسبب الصراع"، مردفاً أن العالم في ثمانينيات القرن الماضي حشد الموارد لتقديم المساعدات في حين تشهد ميزانيات المساعدات الدولية حالياً تقليصاً كبيراً.
فيما يستذكر سراج الدين الطاهر، وهو مزارع من أم روابة، ما حدث عام 1984 عندما تلفت المحاصيل ونفقت الماشية واضطر الناس إلى النزوح. ويقول إن "الحكومة الأميركية جاءت بالمساعدات ووزعتها في قريتنا". ويضيف: "أما هذا العام، 2026، فلا نعرف كيف ستكون النهاية".
Suggested
Read also
Eisenkot, Netanyahu's first rival, is a hard-line general of Moroccan origin
WorldAnalysis: Why does the Ukrainian president insist that the matter is not personal with Trump even though it is?
Culture