الناجون الفلسطينيون… ذاكرة حية لا يجب أن تُنسى
تستخدم شعوب كثيرة في العالم تعبير «الناجين» عندما تتحدث عن المآسي الكبرى التي مرت بها لأن الناجي ليس مجرد إنسان بقي على قيد الحياة بل شاهد يحمل قصة وتجربة وذاكرة تنتقل من جيل إلى جيل وتعود إسرائيل مرارا إلى تعبير «الناجين من الهولوكوست» وتجعل شهاداتهم ركنا
ريفيرا بلس
·3 دقائق read

الكاتب: بسام زكارنة
تستخدم شعوب كثيرة في العالم تعبير «الناجين» عندما تتحدث عن المآسي الكبرى التي مرت بها لأن الناجي ليس مجرد إنسان بقي على قيد الحياة بل شاهد يحمل قصة وتجربة وذاكرة تنتقل من جيل إلى جيل وتعود إسرائيل مرارا إلى تعبير «الناجين من الهولوكوست» وتجعل شهاداتهم ركنا أساسيا في ذاكرتها التاريخية والإنسانية.
وهنا يفرض السؤال نفسه: لماذا لا نستخدم نحن الفلسطينيين التعبير ذاته حين نتحدث عن تاريخ طويل من المجازر والتهجير والقتل والاحتلال؟ لماذا لا نتحدث عن «الناجين من مجازر عام 1948» ومن مجازر دير ياسين والطنطورة والدوايمة؟ ولماذا لا نتحدث عن الناجين من مجزرة كفر قاسم عام 1956 ومن مجازا عام 1967 وما رافقها من قتل وتهجير؟ إنها أحداث محفورة في الذاكرة الفلسطينية وأحياؤها هم أصدق من يرويها.
لقد اعتاد خطابنا أن يجعل «الشهداء» عنوانا للذاكرة وهذا حق لا جدال فيه فهم الذين دفعوا الثمن الأكبر غير أن هناك من بقي حيا: عاش المجزرة ورأى القتل والتهجير بعينيه وفقد أفرادا من عائلته وغادر بيته وقريته ووطنه وحمل الحكاية معه طوال عمره هؤلاء هم «الناجون».
فالناجي من مجزره دير ياسين ليس شخصا عاش حدثا تاريخيا فحسب بل شاهد حي على المجزرة والناجي من النكبة عام 1948 ليس فلسطينيا بقي على قيد الحياة فحسب بل شاهد على الاقتلاع وفقدان الوطن أما الناجي من نكسة و مجازر عام 1967 فيحمل ذاكرة الاحتلال والتهجير وما خلفته تلك الأحداث من آثار في أجيال فلسطينية كاملة.
والسؤال نفسه يطرح اليوم بإلحاح أكبر: لماذا لا نتحدث عن «الناجين من إبادة غزة»؟ فغزة ليست أرقاما في نشرات الأخبار بل شعب عاش القتل والقصف والحصار والتهجير وفقد البيوت والأهل والأصدقاء ومن بقي حيا بعد كل ذلك يحمل في ذاكرته قصة لا يستطيع أحد أن يرويها كما يرويها هو إن الناجي من غزة اليوم ليس إنسانا نجا من قصف فحسب بل شاهد حي على ما تعرض له شعبه.
ولا يجوز أن ننسى الناجين من العمليات العسكرية والاعتداءات على مخيمات الضفة الغربية ومنها مخيما جنين وطولكرم فهؤلاء أيضا يحملون شهادات يجب أن تحفظ وتوثق وتصل إلى الأجيال القادمة.
وثمة فئة أخرى ينبغي أن يكون لها حضور واضح في ذاكرتنا: الناجون من السجون الإسرائيلية من القتل و التعذيب والانتهاكات والاعتداءات الجنسية و الاغتصاب التي يقول فلسطينيون إنهم تعرضوا لها أثناء الاحتجاز هؤلاء ليسوا أرقاما في قوائم الأسرى والمعتقلين بل أشخاص خرجوا وهم يحملون آثار التجربة في أجسادهم وذاكرتهم وشهاداتهم عن قتل رفاقهم و تعذيبهم جزء من التاريخ الفلسطيني يجب أن تسمع وتوثق وتصان.
وليست هذه الدعوة منافسة بين ذاكرة الفلسطينيين وذاكرة أي شعب آخر ولا محاولة لمحو مأساة أو الحلول محلها فلكل شعب ذاكرته ولكل إنسان الحق في أن تسمع شهادته وأن يصان ألم من سبقوه لكننا في أحيان كثيرة لا نمنح الناجين الفلسطينيين المكانة التي يستحقونها في خطابنا وذاكرتنا.
وربما آن الأوان لنقولها بوضوح: لدينا شهداؤنا ولدينا ناجونا أيضا ناجون من النكبة والمجازر والاحتلال وناجون من السجون وناجون من غزة وناجون من مخيمات طالها الهجوم والدمار وكل واحد منهم يحمل جزءا من ذاكرة فلسطين.
وكما صارت شهادات الناجين من الهولوكوست جزءا أساسيا من الذاكرة العالمية يجب أن تبقى شهادات الناجين الفلسطينيين من النكبة والمجازر والاحتلال والإبادة والسجون حاضرة وموثقة ومسموعة.
علينا أن نستخدم كلمة «الناجين» كما نستخدم كلمة «الشهداء» رحل الشهداء وبقي الناجون ليحملوا الذاكرة والشهادة.
نحن يجب ان لا نتحدث عمن استشهدوا فقط بل عمن نجوا أيضا فالناجون هم ذاكرة فلسطين الحية.
Source: وكالة معا الإخبارية
Suggested
Read also
Politicsمسؤول أمني إسرائيلي سابق: كان يمكن إعادة عشرات الأسرى أحياء ونتنياهو فشل في إدارة الحرب
Politicsرئيس صندوق الاستثمار يستقبل رئيس الوزراء خلال زيارة مصنع الرابية للأعلاف في الخليل
Politics