تيارات الإسلام الحركي واستراتيجية «العقول البيضاء»
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
ريفيرا بلس
·5 دقائق read

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
شكّلت غالبية تيارات «الإسلام الحركى» قواعدها التنظيمية من خلال استقطاب الأجيال الجديدة من الشباب والمراهقين؛ لما يتمتعون به من خصائص تضيف للكيانات الأصولية بُعداً شبابياً وقدرة على التمدد والبقاء فى العمق المجتمعى، فى ظل سهولة التأثير فى القناعات الفكرية والسلوكية لهذه الفئات العمرية، وشمولهم ضمن سياقها الحركى أو إطارها التنظيمى، دون الدخول فى معارك جانبية ناتجة عن أى انتماءات فكرية سابقة.
يرتبط مصطلح «العقول البيضاء» فى سياق تيارات «الإسلام الحركى» بالعقول المفرغة من السياقات والانتماءات الفكرية، وغير القادرة على امتلاك أدوات النقد والمراجعة ما بين أوساط الشباب والمراهقين، بهدف تشكيل وعيهم بما يتوافق مع الأدبيات الفكرية والأيديولوجية لهذه الجماعات الأصولية، وفى مقدمتها جماعة الإخوان وتيارات السلفية التقليدية، أو السلفية الجهادية، بما يحقق معادلة «التبعية والانقياد» بين القاعدة والقيادة.
تمثل استراتيجية «العقول البيضاء» البيئة الأولى فى بناء العقلية المتطرفة أو المتشددة دينياً، سواء ارتبط هذا العقل بإطار تنظيمى، كجماعة الإخوان، أو تشبع بسياق فكرى، كنموذج التيارات السلفية، أو دار فى نطاق ما يُعرف ب«دوائر الربط العام» التى تتماهى فكرياً مع مشروع «الإسلام الحركى»، دون الارتماء فى أحضانه أو الانسياق المباشر خلف قياداته، لكنه يظل محتفظاً بمرجعيته التى تبناها تلقيناً من واقع وسائل التأثير الفكرى التقليدية، مثل المسجد أو المدرسة، أو الحديثة والآنية، مثل مواقع التواصل الاجتماعى.
فى إطار التحولات التكنولوجية المتطورة، وانتهاء ما يُعرف ب«الإسلام السياسى التنظيمى» نسبياً، والاتجاه إلى بناء منصات التأثير الفكرى العام، فى ظل تجربة السقوط التى ما زالت تعانيها مختلف تيارات الإسلام الحركى، يتجلى تنفيذ استراتيجية «العقول البيضاء»، لا سيما أنها الملاذ الآمن لهذه الجماعات فى إعادة تموضعها وغسل سمعتها، ومحاولة تصدرها للمشهد مرة ثانية، بعد المفاصلة المجتمعية مع تيارات الإسلام السياسى عقب ثورة 30 يونيو 2013.
ويأتى ذلك من خلال نشر أيديولوجيتها بين الفئات الأصغر سناً، خاصة أنها الأقل خبرة وقدرة على نقد وتفكيك الأفكار، والأكثر سهولة فى توجيه مشاعرهم الدينية وقبول المفاهيم والأدبيات الحركية المتطرفة، دون الوعى الكامل بتاريخ الجماعة أو ممارساتها الدموية السابقة، فى ظل تعرضهم لحملات فكرية ممنهجة من قبَل هذه التيارات عبر الأكاديميات والمنصات الإلكترونية التى تم تأسيسها خلال السنوات الأخيرة على وسائل التواصل الاجتماعى؛ بهدف توظيفها فى بناء قاعدة جماهيرية جديدة، تحمل الأطر الأيديولوجية لمشروع «الإسلام الحركى» دون الارتباط التنظيمى.
وضعت تيارات الإسلام الحركى مشاريع متعددة لتطبيق استراتيجية «العقول البيضاء» تحت عشرات المسميات، وفى مقدمتها جماعة الإخوان، التى أطلقت مشروع «جيل النصر المنشود»، بينما أطلق «داعش» مصطلح «جيل التمكين»، فى حين نوّعت «التيارات السلفية» مسمياتها ما بين «جيل الزبير بن العوام»، وجيل «خالد بن الوليد»، لا سيما أن بنيتها لا تدخل تحت نمط الهياكل التنظيمية أو الخلايا العنقودية، وإنما تحت ما يُعرف ب«قوة الضغط العام».
تراهن تيارات «الإسلام الحركى» على قدرتها على النفوذ المجتمعى من خلال السيطرة على أكبر شريحة ممكنة من المراهقين والأطفال خلال هذه المرحلة، فى ظل قيام الدولة بدور توعوى حول مفاهيم «الدولة الوطنية»، ومدى أهميتها فى الحفاظ على الدولة ومؤسساتها من المشاريع الهدامة التى تضعها فى خانة الكراهية والعداء المسلح، تحت لافتة «تطبيق الشريعة» أو مواجهة «الطائفة الممتنعة» أو تعميم مصطلح «فقه دفع الصائل»، وفق انحرافات فكرية وعقائدية، حذّر منها مراراً ودلّل عليها فى حديثه الرئيس عبدالفتاح السيسى فى لقاءاته مع الأجهزة التنفيذية.
عملياً، أدركت تيارات «الإسلام الحركى»، وفى مقدمتها جماعة «الإخوان»، أن جيل «زد» ليس مجرد شريحة عمرية جديدة يمكن استقطابها بالوسائل التقليدية، لا سيما أن النموذج الكلاسيكى للتغلغل داخل العمق المجتمعى لم يعد صالحاً لجيل يرفض الانتماء التنظيمى ويفضّل الهويات السائلة، يضاف إلى ذلك أن الاستراتيجية الجديدة للتنظيم الدولى ترى أن المشروع الأصولى عليه أن يُعدّل من آلياته ووسائله المتبعة فى تنفيذ سيناريوهات «أسلمة المجتمعات»، فى ظل انفتاح الساحة أمامها لاحتلال الفضاء الأزرق بمختلف تنوعاته.
فى اعتقادى، أن عملية «التوظيف عن بُعد» لخدمة مشروع «الإسلام السياسى» تعد أكثر خطورة من عمليات التجنيد التنظيمى، أو الاستقطاب الفكرى والإيمان بالمشروع ذاته، فى ظل وقوع هذه الفئات العمرية تحت محاولات التأثير الرأسى بما يحقق أهداف الأجندات الخارجية، عن طريق هذه الجماعات وأتباعها، من خلال تطبيق استراتيجيات السياسى الأمريكى الراحل جين شارب، أبرز الباحثين فى مؤسسة «ألبرت أينشتاين» ومركز العلوم الدولية فى جامعة هارفارد، الذى وضع خلاصة خبرته العملية حول صناعة الثورات الملونة وفنون استثمار الغضب الشعبى فى كتاب «سياسة الحراك السلمى»، وكتاب «من الديكتاتورية إلى الديمقراطية»، وهى الخلاصة التى يتم تدريسها حالياً داخل عدد من المؤسسات البحثية والتدريبية، وفى مقدمتها «معهد كانفاس»، الذى أسسه وموله الملياردير الصهيونى بيتر أكرمان، وكان بوابة لمجموعة من الثورات الشبابية فى كل من جورجيا عام 2003، و«الثورة البرتقالية» فى أوكرانيا، والثورة البنفسجية فى قيرغيزستان 2005، وما عُرف بثورات «الربيع العربى» فى تونس ومصر وسوريا عام 2011.
استراتيجية «العقول البيضاء» تبرز أن معركة تيارات «الإسلام الحركى» لم تعد تعتمد على بناء الهياكل التنظيمية، وإنما انتقلت بصورة متزايدة إلى استهداف الوعى فى مراحل عمرية مبكرة، عبر صناعة أجيال تحمل أفكار المشروع الحركى وتعيد إنتاجه بأدوات جديدة، دون ارتباط تنظيمى مباشر، بما يجعل مواجهة التطرف لا تقتصر على تفكيك التنظيمات، وإنما تمتد إلى تحصين الوعى، وتعزيز التفكير النقدى.
Suggested
Read also
Culture"شروط مهينة" .. محمد ثروت يكشف سر انسحابه من مهرجان الموسيقى العربية
القوات المسلحة اليمنية: تنفذ غارات على أهداف قيمة في صعدة وصنعاء وتعز
World