هل أصبحت إثيوبيا على حافة الانهيار؟
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
ريفيرا بلس
·10 دقائق read

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
تدخل إثيوبيا مرحلة جديدة، وأكثر خطورة من أزمتها السياسية الممتدة. فقد تجدد القتال في تيجراي، بينما تواصل الحكومة الفيدرالية مواجهة تمردات مسلحة في أمهرة وأوروميا. وجاء التطور الأهم في 20 سبتمبر، عندما أعلنت سبع منظمات سياسية ومسلحة تشكيل «تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء»، بهدف معلن هو إسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد وإقامة إدارة انتقالية.
ويضم التحالف جبهة تحرير شعب تيجراي، والحركة الوطنية لفانو في أمهرة، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب أربع منظمات من مناطق الصومالي وعفار وبني شنقول-جوموز. وأهمية التحالف ليست في أن إسقاط آبي أحمد أصبح أمرًا قريبًا، وإنما في أن قوى ذات تاريخ وأهداف مختلفة قررت، للمرة الأولى، أن تجمعها مواجهة الحكومة الفيدرالية.
فقد قاتلت فانو إلى جانب القوات الفيدرالية ضد جبهة تحرير شعب تيجراي في حرب 2020–2022. واليوم تجلس القوتان في تحالف واحد. أما جيش تحرير أورومو فينتمي إلى تقليد سياسي مختلف، يقوم أساسًا على مطالب الأورومو بالحكم الذاتي وتقرير المصير. لذلك فإن هذا التحالف لا يقوم، حتى الآن، على مشروع سياسي مشترك لإدارة إثيوبيا. إنه تحالف ضد الحكومة القائمة.
ولفهم الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى النظام الذي نشأ بعد سقوط الحكم العسكري لنظام منغستو هايلي مريم عام 1991. فقد أقامت الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية، التي كانت تهيمن عليها جبهة تحرير شعب تيجراي، نظامًا يقوم على الفيدرالية العرقية، ويعترف رسميًا بالحقوق السياسية وبقدر من الحكم الذاتي لمختلف قوميات إثيوبيا. وفر النظام قدرًا من الاستقرار لعقود، لكنه ترك في الوقت نفسه خلافات عميقة حول النفوذ السياسي، والحدود والمناطق المتنازع عليها، وتوزيع السلطة بين المركز والأقاليم.
عندما وصل آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، بدا أنه يقدم مسارًا مختلفًا. فقد فتح المجال السياسي، وأفرج عن سجناء، وسعى إلى المصالحة مع إريتريا. ثم حل ائتلاف الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية وأقام حزب الازدهار، ودفع باتجاه مفهوم أقوى للهوية الوطنية الإثيوبية.
بالنسبة إلى مؤيدي آبي أحمد، كان الهدف تجاوز الانقسامات العرقية. وبالنسبة إلى خصومه، كان الاتجاه نحو تركيز أكبر للسلطة في أديس أبابا.
وانفجر الخلاف في حرب تيجراي عام 2020. وأنهى اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022 القتال الرئيسي، لكنه لم يحسم الخلافات التي أدت إلى الحرب.. ثم تدهورت العلاقات مرة أخرى. وانقلبت فانو على الحكومة، واستمر تمرد جيش تحرير أورومو في أوروميا، وتجدد القتال الآن في تيجراي.
إثيوبيا، إذن، لا تواجه تمردًا واحدًا. إنها تواجه صراعات متعددة، نشأت من أسباب مختلفة، لكنها تلتقي الآن في مواجهة الحكومة الفيدرالية.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية للتحالف الجديد. أعضاؤه متفقون على ما يريدون إسقاطه، لكنهم ليسوا متفقين على ما سيأتي بعده.
جبهة تحرير شعب تيجراي وجيش تحرير أورومو يريدان تقليص سلطة المركز لمصلحة الأقاليم. أما فانو فتستند إلى قومية أمهَرية ولديها مطالب إقليمية، بما فيها مناطق في غرب تيجراي تعتبرها جبهة تحرير شعب تيجراي جزءًا من أراضيها. وسيكون على أي إدارة انتقالية أن تحدد من يسيطر على هذه المناطق، ومن يسيطر على القوات المسلحة، وكيف توزع السلطة. وهذه هي القضايا التي يمكن أن تفصل أعضاء التحالف عن بعضهم.
المشكلة ليست في إعلان التحالف. المشكلة في إدارة ما بعد إسقاط الحكومة.
ولا يمكن قياس قوة التحالف بعدد التنظيمات التي انضمت إليه أو بعدد المقاتلين الذين يمكن لكل تنظيم حشدهم. قوته الحقيقية تكمن في انتشاره الجغرافي. فالحكومة تواجه معارضة مسلحة في أكثر من إقليم في الوقت نفسه، بينما أصبح لدى المعارضة الآن اتصال سياسي بين قوى موجودة في مناطق مختلفة من البلاد.
لكن الانتشار الجغرافي لا يعني وجود قيادة عسكرية موحدة. ولا توجد حتى الآن قيادة مشتركة يمكن مقارنتها بقيادة جيش وطني. وفي المقابل، تظل الحكومة ممسكة بأديس أبابا ومؤسسات الدولة الرئيسية، وتحتفظ بقوات الدفاع الوطني الإثيوبية وبقدرات كبيرة في الطائرات المسيرة.
لذلك، فإن المسألة العسكرية لا تتعلق فقط بمن يستطيع الوصول إلى العاصمة. السؤال الأهم هو ما إذا كانت الحكومة تستطيع الحفاظ على إدارة البلاد بينما تقاتل على عدة جبهات، وما إذا كان التحالف يستطيع تحويل انتشاره الجغرافي إلى ضغط عسكري وسياسي مستمر.
وهنا يدخل عامل الجيش.. فتماسك قوات الدفاع الوطني الإثيوبية سيكون عنصرًا أساسيًا في مسار الأزمة. الحرب الطويلة تفرض تكاليف بشرية ومالية متزايدة، لكن بقاء الجيش متماسكًا يمنح الحكومة قدرة كبيرة على منع المعارضة من تحويل نفوذها الإقليمي إلى تغيير على المستوى الوطني.
ولا يزال أمام الحكومة طريق سياسي إلى جانب الطريق العسكري. فالدستور الإثيوبي لم يتخل عن النظام الفيدرالي، ويمكن نظريًا إعادة التفاوض حول العلاقة بين المركز والأقاليم، وحول القوات الأمنية، والمناطق المتنازع عليها، والتمثيل السياسي.
لكن هذا الطريق له ثمن أيضًا. فإذا قدمت الحكومة تنازلات كافية، قد تجد بعض أطراف المعارضة مصلحة في التفاوض بدل استمرار الحرب. وإذا كانت التنازلات محدودة، فقد لا تغير حسابات الأطراف المسلحة.
وهكذا قد تصبح المشكلة الأساسية هي اتساع الفجوة بين سيطرة الدولة رسميًا وبين قدرتها الفعلية على إدارة أجزاء من البلاد.
قد تبقى أديس أبابا تحت سيطرة الحكومة، بينما تصبح مناطق واسعة خارج العاصمة أكثر صعوبة في الإدارة. وفي هذه الحالة لا يكون الصراع مجرد معركة على السلطة في المركز، وإنما أزمة في قدرة الدولة على ممارسة سلطتها على كامل أراضيها.
هناك تطور آخر لا يمكن تجاهله: الولايات المتحدة دخلت الأزمة الحالية بعلاقة أمنية مختلفة مع أديس أبابا عن تلك التي كانت قائمة خلال حرب تيجراي السابقة.
ففي 19 و20 أغسطس، عقد وفد عسكري إثيوبي رفيع المستوى محادثات في البنتاجون مع مسؤولين أمريكيين، وانتهت المحادثات إلى اتفاق على إقامة تعاون استراتيجي شامل في مجالي الدفاع والأمن، مع توسيع التعاون المؤسسي والتنسيق الاستراتيجي بين المؤسستين العسكريتين.
هذا الاتفاق لا يعني أن الولايات المتحدة التزمت بالدفاع عن حكومة آبي أحمد، ولا يعني تلقائيًا إمدادها بالسلاح. لكنه يعني أن واشنطن أصبحت تملك قناة أمنية أوسع مع أديس أبابا في وقت بدأت فيه الأزمة الداخلية من جديد.
وجاء الموقف الأمريكي من القتال الجديد سريعًا. ففي 23 سبتمبر، قال السفير الأمريكي لدى إثيوبيا إرفين ماسينجا إن قيادة جبهة تحرير شعب تيجراي اتخذت قرارًا سيئًا بشن هجوم واسع، ووصف العودة إلى الحرب بأنها «معركة لا يمكن كسبها». كما حذر من إمكانية فرض عقوبات إضافية على قادة يدفعون إثيوبيا نحو مزيد من القتال، ودعا إلى الحوار الذي يرعاه الاتحاد الأفريقي.
هذه الرسالة مهمة. فواشنطن لا تتعامل مع تجدد القتال باعتباره شأنًا عسكريًا إثيوبيًا فقط. وهي، في الوقت نفسه، لا تعلن انحيازًا عسكريًا مفتوحًا إلى الحكومة. موقفها المعلن حتى الآن يجمع بين الضغط على الجماعات المسلحة، والدعوة إلى الحوار الأفريقي، والحفاظ على العلاقة الأمنية الجديدة مع الدولة الإثيوبية.
ومع اتساع القتال، تصبح الدبلوماسية الأمريكية أكثر أهمية. فالولايات المتحدة لديها الآن علاقة أمنية مباشرة مع أديس أبابا، ولديها في الوقت نفسه أدوات ضغط على أطراف المعارضة. استخدام هذه العلاقة قبل تحول الصراع إلى حرب أوسع سيكون أقل كلفة بكثير من التعامل معه بعد أن يصبح تدخل أطراف إقليمية أمرًا واقعًا.
وهذا مهم بالنسبة إلى مصر أيضًا. فكلما طال القتال، زادت الحاجة إلى أن تعمل القوى التي تملك قنوات مع أطراف الصراع على منع تحوله إلى حرب إقليمية.
أزمة إثيوبيا لم تعد داخلية بالكامل. موقع البلاد في القرن الأفريقي، وعلاقاتها مع السودان وإريتريا، واتصالها بالبحر الأحمر، وسد النهضة، كلها تجعل أي تصعيد داخلي قابلًا للانتقال إلى دول أخرى.
الاتحاد الأوروبي اتخذ موقفًا مختلفًا؛ فقد استأنف في إبريل دعمًا مباشرًا للموازنة الإثيوبية بأكثر من 140 مليون يورو، في إطار دعم الإصلاحات والتنمية والاستقرار. وفي 28 سبتمبر أعلن الاتحاد تخصيص 61 مليون يورو مساعدات إنسانية لإثيوبيا في 2026، في الوقت الذي أعرب فيه عن قلقه من تجدد القتال في الشمال ودعا إلى خفض التصعيد.
إريتريا أكثر ارتباطًا بالجانب العسكري. فقد قاتلت إلى جانب الحكومة الإثيوبية في حرب تيجراي السابقة، لكن العلاقات بين أسمرة وأديس أبابا تدهورت منذ ذلك الوقت. وتتهم إثيوبيا إريتريا بدعم قوى معارضة لآبي أحمد، بينما تنفي إريتريا ذلك. وتجدد القتال في تيجراي يعيد هذه العلاقة إلى قلب الأزمة.
أما السودان، فهو في وضع أكثر تعقيدًا. فهو يخوض حربًا داخلية، وحدوده مع إثيوبيا يمكن أن تصبح مسارًا لحركة السلاح والمقاتلين والنفوذ السياسي. وأي امتداد للحرب الإثيوبية إلى الحدود السودانية سيأتي في وقت يعاني فيه السودان أصلًا من أزمة أمنية وإنسانية هائلة.
بالنسبة إلى مصر، القضية ليست اختيار أبي أحمد أو خصومه.
المشكلة هي ماذا يحدث إذا طال الصراع وتحول من أزمة سياسية داخلية إلى أزمة إقليمية. السودان موجود بالفعل في حالة حرب. والعلاقة الإثيوبية الإريترية متوترة. والبحر الأحمر لا يحتمل أزمة أمنية جديدة. وأي حركة واسعة للاجئين أو السلاح أو الجماعات المسلحة عبر الحدود ستضيف عنصرًا جديدًا إلى هذه الأزمات.
إذا ضعفت السلطة الفيدرالية بصورة كبيرة، فإن السؤال لن يكون سياسيًا فقط: من يحكم إثيوبيا؟ سيكون هناك أيضًا سؤال عملي يتعلق بمن يضمن أمن السد وتشغيله. هل تظل السيطرة في يد الحكومة الفيدرالية؟ هل تنتقل إلى سلطة انتقالية؟ هل تصبح للسلطات المحلية في بني شنقول-جوموز قدرة أكبر على التأثير فيه؟
لا توجد أدلة على أن أي فصيل من المعارضة يخطط للاستيلاء على السد. لكن وجود هذا القدر من عدم اليقين حول مستقبل السلطة الإثيوبية يكفي لجعل السد جزءًا من الحسابات الأمنية.
وهنا يدخل مفهوم الدولة الوطنية في الموقف المصري. فمصر لا تنظر إلى وحدة الدولة باعتبارها موقفًا خاصًا بإثيوبيا، وإنما باعتبارها مبدأً ينطبق على المنطقة كلها. وقد حافظت القاهرة على هذا الموقف في السودان وليبيا واليمن وغيرها، لأن إضعاف الدولة المركزية وفتح الباب أمام تعدد مراكز القوة لا ينتهي عادة عند حدود الدولة التي بدأ فيها الصراع.
بالنسبة إلى مصر، الدولة الوطنية ليست شعارًا سياسيًا، وإنما جزء من حسابات أمنها. فلا يمكن أن تكون مصر مع وحدة السودان، ووحدة ليبيا، واستقرار اليمن، ثم تعتبر تفكك إثيوبيا حلًا مقبولًا لخلافاتها الداخلية.
ولهذا فإن المصلحة المصرية لا تتوقف على موقفها من آبي أحمد. مصر تحتاج إلى إثيوبيا مستقرة تستطيع التفاوض معها، أيًا كان شكل الترتيب السياسي الذي ينتهي إليه الصراع.
وهذا الموقف يتسق مع السياسة المصرية في السودان وليبيا واليمن. أمن مصر يرتبط بوجود دول قادرة على إدارة أراضيها ومؤسساتها، وليس بدعم شخص بعينه في كل دولة.
ومصر لا تحتاج إلى الانضمام إلى أي طرف إثيوبي. بل إن انحيازها إلى فصيل بعينه سيعطي الحكومة الإثيوبية فرصة لتقديم الصراع باعتباره مواجهة مع تدخل خارجي، بدل أن يبقى نزاعًا إثيوبيًا يحتاج إلى تسوية سياسية.
المسار الأكثر فائدة لمصر هو الحفاظ على الاتصال بأديس أبابا، وعلى قنواتها مع الأطراف الإقليمية، ودعم الجهود الأفريقية التي يقودها الاتحاد الأفريقي، مع استخدام علاقاتها مع السودان والسعودية وقطر والإمارات لتقليل فرص انتقال الصراع إلى مواجهة إقليمية.
وفي الوقت نفسه، فإن استقرار إثيوبيا يظل شرطًا لأي تفاهم جاد بشأن سد النهضة. لا يمكن توقع اتفاق طويل الأجل حول ملء السد وتشغيله مع حكومة تخوض حربًا داخلية وتواجه تحديًا مسلحًا لسلطتها.
نقلاً عن المصري اليوم
Suggested
Read also
Politicsالأردن يبدأ تنفيذ تعداده السكاني السابع لتحديث بياناته الديموغرافية
Politics"التحالف" يعلن وقوع هجوم للحوثيين على محطة توزيع كهرباء بالمدينة المنورة
World